Monday, November 27, 2017

بيان حال إبراهيم بن أبي يحيى، شيخ الإمام الشافعي رحمهما الله


 اختلاف أهل الجرح والتعديل فيه

فقد اختلف أهل الجرح والتعديل في حال إبراهيم بن أبي يحيى (ت 184هـ)، شيخ الإمام الشافعي (ت 204هـ)، فجرّحه كثيرون، وهم الأئمة: مالك وأحمد وابن المبارك والبخاري وأبو زرعة والعجلي وابن سعد والنسائي والجوزجاني، بل كذّبه القطان وابن معين وأبو حاتم وفقهاء المدينة.

وعلى العكس، عدله ووثقه جمع من الأئمة الآخرين، وفي مقدمتهم: الإمام الشافعي، ثم حمدان بن الأصبهاني وابن عقدة وابن عدي، حتى قال في "الكامل": وَهو في جملة من يُكتب حديثه، وقد وثقه الشافعي وابن الأصبهاني وغيرهما.اهـ وقد ذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" كلامَ ابن عدي ولم يتعقبه. وذكره الحافظ الذهبي ضمن الحفاظ في كتابه "تذكرة الحفاظ" وقال: ما كان ابن أبي يحيى في وزن من يضع الحديث، وكان من أوعية العلم.اهـ

بحث علمي رصين

وأحسن الكلام في بيان حال إبراهيم بن أبي يحيى هذا وأمتعه بحث للعالم الباحث الشيخ محمد بن حسن الغماري بعنوان "مرويات الإمام الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى" (وهو رسالة الماجستير في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز، مكة المكرمة، عام 1967م)، فقد رجّح فيه قول من وثقه على من جرحه، وردّ على من اتهمه بالرفض، ويؤكد أنه حدّث بفضائل الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وذكرها، ولم يتحقق أنه تبرأ ولا شتم أحداً من الصحابة، لا معاوية ولا غيره، ولا ظهر من خلال كلامه بغض لأحد من السلف، سوى الإمام مالك رضي الله عنه لأجل المذهب. (ص 100)

واعتبر الباحث أن أحاديثه صالحة للاعتبار، فجمع ما أمكن جمعه منها وتحصل لديه مجموعها في البحث 154 حديثاً، ثم سبرها وحكم عليها على حدة، فكانت النتيجة أن عدد الصحيح منها 137 حديثاً باعتبار الشواهد والمتابعات (أي صحيح لغيره)، وعدد الحسن منها 10 أحاديث باعتبار الشواهد والمتابعات (أي حسن لغيره)، وعدد الضعيف منها 7 أحاديث (أي 4 منكرة، و3 غير منكرة) (ص 569). ولم يذكر فيها حديثاً موضوعاً! فأين دليل كذب ابن أبي يحيى؟

وأثبت الباحث أيضاً أن الشافعي من المتوسطين في الحكم على رجال الحديث، الذين منهم شيخه إبراهيم بن أبي يحيى، فلم يرفعه حتى يجعله في مصاف الثقات المتقنين العدول، ولم يهضم حقه ويغالي في جرحه والحط عليه، بل جعله ممن يحتج بحديثه، وحكمه عليه كان بعد أن لازم الرجل وسبر أحاديثه سبراً تاماً، فكان أدرى به من الذين جرحوه ولم يلازموه ملازمة الشافعي، ولا درسوا أحواله ومروياته كما درس الشافعي، وكل من سبر أحاديثه ودرسها حكم له بمثل ما حكم الشافعي له كابن عدي وحمدان الأصبهاني وابن عقدة وغيرهم. (ص 567)

وبيّن الباحث أن الإمام الشافعي قد نفى عنه الكذب في حديث الرسول r، فيحمل كلام مَن كذبه على الكذب في حديث الناس، جمعاً بين الأقوال، لأنهم لم يذكروا مثالاً لكذبه في الحديث النبوي (ص 568). قلتُ (أنا الفقير): ويمكن أيضاً أن يحمل كلام مَن كذبه على الخطأ في الرأي والتأويل فقط، ولذلك قال عنه الذهبي – وهو من أهل الاستقراء التام في أحوال الرجال- : "ما كان ابن أبي يحيى في وزن من يضع الحديث، وكان من أوعية العلم". فقد تبين للباحث بعد الاستقراء لأحاديثه أن جانب التعديل فيه أرجح من جانب التجريح (ص 573).


فظهرت لنا بهذا صحة رأي الإمام الشافعي ومَن نحا نحوه فيه، والحمد لله.


No comments: